خطة مقترحة للانقاذ المالي في العراق


المركز العراقي للإصلاح الاقتصادي


ينبغي للموازنة ان تخطط على اسس سياسة اقتصادية كلية متفق عليها وواضحت المعالم، وهنا نأتي الى ضرورة توفير مثل هذه السياسة. ان الحكومة يجب ان تعتمد سياسة تعطي أولوية قصوى للانفاق على البنى التحتية وتنمية الموارد البشرية، وان تتبنى سياسة السوق في مجال النشاط الاقتصادي. ومن السياسات التي ندعو لها على سبيل المثال:

اولاً : في مجال الاسكان : هناك حاجة ملحة لانشاء على الاقل مليونين وحدة سكنية، ولا شك ان الاستثمار في هذا القطاع له مردودات كبيرة على الحالة الاقتصادية والاجتماعية. ان التقليد المتبع في توزيع الاراضي على المواطنين ليس هو الخيار الافضل (اذ ان التجربة السابقة اثبتت تلكأها). وهنا تأتي اهمية معالجة مشكلة الاسكان من خلال زيادة رأسمال المصارف الحكومية (على سبيل المثال) لغرض التعاقد مع شركات بناء للمجمعات السكنية. يمكن تفعيل هذا المقترح بان تقوم الحكومة (عن طريقة مؤسسة اسكان خاصة) بالتعاقد مع شركات اجنبية او محلية لبناء مجمعات سكنية ، ثم تقوم بتوزيعها على المواطنين عن طريق البيع او عن طريق الايجار (للفقراء) ، ان هذا الاجراء يجب ان يكون مفضلاً على الاجراءات الاخرى ( حيث من خلاله تتحقق منافع اكبر تتعلق بالكلف ونوع البناء ). ومن الاجراءات الاضافية، ان تقوم الحكومة من جهة اعطاء حوافز للمقاولون على الاستثمار في الاراضي وبيعها مباشرة للمواطنين، ومن جهة اخرى دعم عبء فوائد قروض الاسكان. ثانياً: في سياسة التعليم : ان الحاجة الى التوسع في التعليم تنطلق من كون التعليم من شأنه تعزيز وتعميق الشعور بالمواطنة بالاضافة الى استقطاب من هم في سن الدراسة بعيداً عن الممارسات غير الحميدة ذات الكلفة الاجتماعية الباهضة (الادمان على المخدرات والجريمة وما شابه ذلك). كما ان للتعليم دور في توفير القاعدة البشرية التي تسهم في الاعمار (بالاخص التعليم التقني)، اذ ان معظم المشاريع التي تم تشييدها مؤخرا يعوزها الاتقان والجودة. ويتوقع ان تكون هناك مشكلة تتجسد في قلة المهارات الضرورية بالنسبة للتوسع الاستثماري المرتقب. هناك حقائق مخيفة تتحدث عن خلو المختبرات العلمية من الاجهزة، اذ ان احدثها تم تجهيزه قبل عشرين سنة. كما لابد من التخطيط لاستقطاب الكفاءات العراقية في الخارج والاستفادة منها في تضييق الفجوة العلمية ومعالجة التخلف في الاساليب الادارية والعلوم التطبيقية. وهنا نقترح زيادة التخصيصات لتقديم الدعم النقدي (والقروض للتعليم الجامعي) في المدارس وتخليص المجتمع من مشاكل التخلف الثقافي .

‌أ.ضرورة اعتماد موازنة متحفظة لعام 2009 : في ظل الازمة المالية العالمية الحالية كان من الاجدر التخطيط الى موازنة متحفظة (على أن تستكمل بموازنة تكميلية فيما بعد عندما يحصل وضوح بمستوى الايرادات المالية المتوقعة) تعتمد سعر للنفط الخام العراقي لايتجاوز 45$ وطاقة تصديرية 1.9 مليون برميل باليوم. وهما في تقديرنا تقديرات واقعية. وبعكس ذلك يترتب الافراط في تخطيط النفقات ومن ثم حصول إختناقات بالتمويل. ‌ب. ضرورة معالجة شحة التخصيصات المالية: مما لاشك فيه ان تخصيصات اعادة الاعمار غير كافية وان هناك فجوة استثمارية بالنسبة الى النفقات الضرورية لاعادة الاعمار والتي تقدر ب 187$ مليار للفترة 2006 - 2010 (وزارة التخطيط). وللوقوف على مقدار الفجوة الاستثمارية، من الضروري احتساب مقدار التخصيصات الاستثمارية الفعلية للاعوام 2006 - 2010 لكافة القطاعات الخدمية والتي تساوي 44 $ مليار للفترة 2006 - 2009 مع افتراض ان التخصيصات الاستثمارية الكلية لعام 2010 هي 20$ مليار، فان مقدر التخصيصات الاستثمارات للفترة 2006 - 2010 تساوي 66 $ مليار . ومنها نستنتج ان نسبة العجز في التخصيصات الاستثمارية يعادل 65% (اذا ما صحت تقديرات وزارة التخطيط). من هنا تأتي ضرورة البحث عن مصادر تمويلية تشمل:
اولاً : الاستغلال الأمثل للثروة النفطية: من خلال الاسراع بتوفير قانون لاستغلال الثروة النفطية. فإن ابقاء الامر على ما هو عليه يعني استمرار تخلف العراق واتساع الفجوة بين العراق وبين اقرانه من الدول المجاورة. في دراسة سابقة وجد الباحث ان الابقاء على التقنيات والاساليب السائدة في استغلال الثروة النفطية سوف يطيل من الفترة الزمنية الضرورية لبناء البنى التحتية (15-20 عاما). ثانياً : من الضروري اعتماد تمويل المشاريع العامة بالاستفادة من خيار "المشاركة بين القطاع العام والخاص" (PPP) او خيار ما هو معروف "بعقد البناء -التشغيل - الإعادة" ، الذي إشتهر بإسم الـBOT . وهو عقد تعطي الجهة الحكومية بموجبه القطاع الخاص إمتيازاً بإنشاء مرفق محدد وتشغيله ومن ثمإعادته في أجل متفق عليه ، ويكون القطاع الخاص حينها قد إستعاد التكلفة وحقق أرباحاً. وقد تم إستنباط أشكال تعاقدية مختلفة من هذا النوع، وان هذه العقود يمكن تطبيقها في تأهيل المرافق العامة كا لمستشفيات او تشييد مرافق جديدة . وهذه الخيارات قد تكون بديلا عن الاقدام على الخصخصة في المشاريع التي تخطط الدولة لخصخصتها كالاسواق المركزية او الصناعات الغذائية او الجلدية. لقد مضى على تشريع قانون الاستثمار وقت طويل، ورغم ان محتوى القانون ايجابي ومتميز، الا ان ثمار هذا القانون بقيت غائبة. ان الامر يستدعي دراسة الامر باعلى المستويات والبحث عن طاقم من رجال الاعمال المعروف عنهم عالميا لقيادة هيئة الاستثمار وتحرير عملها من القيود البيروقراطية المعيقة.

ثالثاً : إصدار السندات الحكومية: هناك ضرورة لدراسة إمكانية امتصاص السيولة النقدية لأغراض الاستثمارات الحكومية عن طريق إصدار السندات الحكومية. وذلك من اجل تسويق الدين العام وجعله متداول بين الوحدات الاقتصادية الأمر الذي يسهم في تمويل الموازنة فضلا عن تنشيط السوق المالية وتعزيز دورها في الاقتصاد إذ تشير التجارب التي مرت بها الدول المتقدمة إن الأوراق المالية الحكومية تسهم وبشكل فعال في دعم عمل السوق المالية والاستثمار بها من خلال ما توفره من ثقة ومصداقية في هذا الشكل من الاستثمار.
‌ج.سياسة الاستثمار: لا زالت البييئة الاستثمارية غير جاذبة، ولا من تكثيف الجهود الحكومية خلال 2009 لدراسة المشكلات وتبني نموذج دولي للتعامل مع الاستثمارات. وهنا نؤكد ضرورة احتضان الحكومة لفكرة ايجاد المناطق الاقتصادية المحمية: من المؤسف لقد تأخر الشروع بتأسيس مثل هـذه المناطق. لا شك ان في ذلك حلا لمشاكل غياب الامن والاستقرار وحلا بديلا عن حالة الانتظار. ان الاستمرار في تغيب مثل هذه السياسة يعني تأخير مشاريع الاعمار وحرمان مشاركة القطاع الخاص ودخول الاستثمارات الاجنبية. فان الحكومة معنية بأيجاد التخصيصات الضرورية لانشاء هذا المناطق الجاذبة للاستثمار . ولعل ايجاد منطقة اقتصادية صناعية في البصرة يعد مثالا متميزا لما له من وفورات اقتصادية كبيرة ومتنوعة وتشكل حوافز لاستعادة الاقتصاد العراقي جزءا كبيرا من عافيته.
‌د.تشغيل العاطلين: هناك ضرورة لاشراك العاطلين في مشاريع مطلوبة بدلا من سياسة الدعم النقدي غير المقرون بعمل كما هو الحال بشبكة الحماية الاجتماعية. فان ظروف العراق الحالية لاتشجع على الدعم النقدي غير المقرون بانتاجية، حيث ان ذلك يساعد في ارتفاع تضخم الاسعار. لقد اشارت الموازنة الى استحداث وظائف جديدة، فهو شئ حسن ان يتم خلق وظائف جديدة ولكن ليس بالطريقة التي تحدثت بها الموازنة، اذ لا يجوز الاستمرار في توسع جيش البطالة المقنعة . كان الاجدر ان تسعى الموازنة الى زيادة العمالة عن طريق التعاقد المؤقت لاداء اعمال خاصة (كقطاع الخدمات(
‌هـ.ضعف نسبة التنفيذ: ان ضعف الاداء التنفيذي او ضعف الطاقة الاستيعابية للاستثمار يعتمد على عوامل كثيرة من ابرزها ظاهرتي "القصور والتقصير". فالقصور حالة تعود الى ضعف كفاءة الاداء الامر الذي يتطلب العناية بالتدريب والتأهيل، والاهتمام بالاساليب الحديثة للادارة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب (وهنا نقـتـرح ان تشكل لجنة مركزية تقوم باختيار الشخص المناسب بالمكان المناسب). اما التقصير فيعني عدم اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب لربما لاسباب تتعلق بضعف حوافز العمل او الخوف من الاتهامات الكيدية. هناك مؤشرات بان بعض دوائر المراقبة اصبح عملها يعيق التنفيذ، ومن الضرورة ان يكون الدور الاساسي لتلك الدوائر وقائي قبل ان يكون علاجي. ومن الجدير بالذكر توجد ضرورة للارتفاع بالتعليم التقني الذي يخدم عمليات اعادة الاعمار (حيث ان معظم المشاريع التي تم تشييدها بعد الحرب الاخيرة يعوزها الاتقان والجودة). ويتوقع ان تكون هناك مشكلة (مشكلة عنق الزجاجة) تتجسد في قلة المهارات الضرورية بالنسبة لحجم التوسع الاستثماري المرتقب. هناك حقائق مخيفة تتحدث عن خلو المختبرات العلمية من الاجهزة، اذ ان اخر تجهيز يتجاوز العشرين سنة. ونحن دخلنا العام الجديد (الواعد بالامل) لا بد من دراسة إستراتيجية لاستقطاب الكفاءات العراقية في الخارج والاستفادة منها في تضييق الفجوة العلمية ومعالجة التخلف في الاساليب الادارية والعلوم التطبيقية. كما نقترح ان تكلف لجنة متخصصة لمعالجة ضعف مستوى التنفيذ. فتجربة السنوات الماضية تشير الى ان مشكلة الاقتصاد هي بالتنفيذ وليست بالتمويل. وعليه فان موازنة عام 2009 يجب ان تتضمن تخصيصات مالية للتأهيلوالتدريب. فان تجربة عام 2007 تشير الى ان 32% من التخصيصات الاستثمارية لم يتم الاستفادة منها بالوزارات.

ز.تنمية المشاريع الاستراتيجية الزراعية: ان الموازنة مدعوة الى البحث عن موارد جديدة (قروض او غيرها) للاستثمار في المشاريع الزراعية، حيث ان اهمال الزراعة يؤدي الى تفاقم المشكلة وصعوبة حلها (مثال التصحر). فإن الاهتمام بالمشاريع الزراعية ومشاريع الري الإستراتيجية وتقديم الدعم لسعر المنتوجات الزارعية يؤدي الى تشغيل اليد العاطلة وتوفير المواد الغذائية الضرورية للاستهلاك المحلي وتوفير المواد الاولية للصناعات الصغيرة والغذائية وتساعد


على الهجرة المعاكسة وتخفيف الكثافة السكانية في المدن الكبيرة، وتقلل من الواردات في المواد الغذائية الضرورية، بل لربما فيما إذا وصل المحصول الى أزيد من الاكتفاء الذاتي يكون موردا للصادرات. وبسبب الضائقة المالية ياحبذا لو عمدت الحكومة لخلق مشاريع زراعية وصناعية مشتركة مع القطاع الخاص.
‌ح.دعم القطاع الخاص: رغم التأكيد الذي تبديه الحكومة للقطاع الخاص، لا نجد في الموازنة مؤشرات خاصة بالدعم المالي (باستثناء القروض الصغيرة). بلغ عدد القروض التي ضمنتها الشركة العراقية للكفالات المصرفية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة 107 قروض بلغت مجموع قيمتها ملياراً و788 مليوناً و632 الف دينار اي ما يعادل مليوناً و 500 الف دولار ، وهو مبلغ ضعيف ولا يتناسب مع درجة الطموح خاصة بعد نجاح التجرية والذي تحقق باسترجاع قيم القروض. ان من صور الدعم المطلوبة انشاء مصارف تنمية اقليمية تهدف الى العمل على تنمية الاقاليم وتمويل مشاريع معينة التي يمكنها من القيام بها دون الرجوع الى الموازنة العامة. ويمكن ان تنظم هذه المصارف على اساس المشاركة بين حكومة الاقاليم وبين القطاع الخاص (على ان يكون للاقليم حصة لاتقل عن 50%). ومن الجدير بالذكر ان سياسة البنك برفع سعر الفائدة بقصد خفض نسبة تضخم الاسعار تحتاج الى مراجعة حيث ان رفع اسعار الفائدة يعيق القطاع الخاص من حصول القروض الضرورية، وان الجهود القائمة لخفض أسعار الفائدة لتصل الى 15% دون الطموح. ومن صور الدعم الحكومي هي تمكين القطاع الخاص المحلي بالارتباط بالقطاع الخاص الاجنبي في تنفيذ مشاريع محددة على سبيل المثال تنمية المشاريع السياحية والمصرفية. ‌
ط. مؤسسات القطاع العام: لابد للموازنة العمل على التخطيط لاخراج تلك المؤسسات من عزلتها في ممارسة النشاط الاقتصادي. ان اصلاح تلك المؤسسات يجب ان يكون جذريا وليس ترقيعيا، ليس المطلوب من العراق ان يكون منتجا كفوأ في كل ميدان، بل المطلوب ان يكون متخصصا في صناعات تتمتع بالقدرة التنافسية. من الحلول المقترحة (في المرحلة الانتقالية) ان تمنح الدولة حصص من ملكية تلك المؤسسات للعاملين بها (لرفع درجة المسؤولية كمالكين) واعتماد ادارة القطاع الخاص لها وبالاسلوب التجاري، واعطائها حرية اتخاذ القرارات،والاقتراض لتمويل مشاريعها. وهناك العدديد من الخيارات التي يمكن انتقائها من اساليب "المشاركة بين القطاع العام والخاص" والمشار اليها أعلاه.

 
 
 

    

 

             حواؤنا  -  للاتصال بنا  -  الصفحة الرئيسة