|
>>
الاحزاب السياسية … عوامل التماسك وعناصر القوة
ثمة سؤال طالما تردده الالسن او تختزنه الاذهان ويحتاج الى قراءات جدية بعيدة عن
التعصب او التحزب والسؤال بكل اتخصار
هو : لماذا تشهد احزابنا السياسية الاسلامية والعلمانية في الشرق ظاهرة الانشقاقات
والانقسامات بخلاف الاحزاب في الغرب ففي الولايات المتحدة الامريكية مر على الحزبين
الكبيرين ( الجمهوري والديمقراطي ) اكثر من مئة سنة ، ولم يشهد انشقاقا او انفصاما
في هيكلية الحزب او مفاصله ، بينما في تجربتنا العراقية المعاصرة احزاب اسلامية
تعيش الهم الواحد ، والمصير المشترك ، والادبيات الاسلامية ، والفكر الحركي لكنها
تشظت الى شظايا غير متآخية وانقسمت الى احزاب وتوالدت انشطارات اميبية خطيرة في
الحزب الواحد؟
وقد تتعدد او تتباعد الاجابة الجادة التي تعتمد القراءة الموضوعية ولكنها لا تعني
بالضرورة المقارنة السلبية للواقع الغربي والاسلامي وما قد يفرزه من قناعات خطيرة
على الافكار والنظريات ، بسبب الخلل في التطبيقات والاداءات . قد تجرنا الاجابة الى
مساحات كانت محظورة او ممنوعة يصعب الخوض فيها او الجراة في نقاشها لاسباب تبدو
مقنعة في المرحلة الماضية حيث كانت تواجه مثل هذه المراجعات والمناقشات التي تسعى
الى ايجاد ثغرات في جسد الاحزاب الاسلامية يمكن استغلالها للطعن بالحركة الاسلامية
من قبل خصومها من الاجهزة المخابراتية الدولية التي تتربص بهذه الاحزاب الدوائر
وتحاول تشويه هذه الاحزاب ورموزها ، او يجد الباحث لكل مراجعة او قراءة لاداء
الحركة الاسلامية المزيد من العقبات والصعوبات وقد يواجه بسيل من الاتهامات الجاهزة
بالعمالة او الفسق او الكفر احيانا بخروجه عن الاسلام بمجرد خروجه من الحركة
الاسلامية الفلانية.
واذا كان ذلك مبررا في المرحلة السابقة مرحلة المعارضة وتعقيداتها وخطورة الانظمة
السياسية وبشاعتها فان ذلك غير مقنع في المرحلة الراهنة التي وصلت الحركة الاسلامية
الى مراقع الحكم والقرار عبر الانتخابات والمنهج الديمقراطي ومسار العملية السياسية
في العراق.
وان هذه المراجعة وتشخيص مواطن الخلل ومكامن التراجع لاداء الحركة الاسلامية
واحزابها ضرورية ولابد من التثقيف عليها ومغادرة هواجس الماضي واتهام هذه المراجعات
بخدمة الاجندة المخابراتية ومخططات الانظمة المعادية.
فان اي حركة سياسية لا تراجع اداءاتها ولا تعيد النظر في سلوكياتها بمراجعة جادة
وشجاعة فان حاضرها يتحول الى كومة اخطاء ومستقبلها الى كارثة ، وسيزيد من مساحات
الانحراف ، لان البداية تبدأ من زاوية ضيقة ثم تتسع وان هذه المخاوف من هذه
المراجعات قد تؤدي الى عواقب وخيمة على مستقبل وسمعة الحركة الاسلامية.
وربما واحدة من الاجابات على ما طرحناه من سؤال مبكر هذه الظاهرة وهي الخوف من اية
مراجعات لاداء الاحزاب الاسلامية او اتهام هذه المراجعات ووصمها بالعمالة او تحقيق
اجندة مخابراتية دولية.
والسبب الاخر لهذه الانشقاقات في جسد الحركة الاسلامية هو غياب الانظمة الداخلية
والمعايير الحزبية التي توجه مسارات ووظائف افراد الحزب.
ان وجود نظام داخلي يضمن سلامة الحزب وضمانة افراده من كل انتهاكات واعتداءات
وتهديدات يشعر المنتمين لهذه الاحزاب بالخوف المستمر من غياب الضمانة الحزبية
والحياتية والمستقبلية .
ولا نعني بالضرورة وجود نظام داخلي يوجه مسار الاحزاب هو النظام الداخلي المكتوب
الذي لا يكاد يخلو منه اي حزب اسلامي او غربي انما ما يعنيه هو الالتزام السلوكي
بهذا النظام واحترامه واعتباره هو قانون فوق الامزجة والاهواء والشخصنة.
الالتزام بالنظام الداخلي هو ثقافة وممارسة وتربية وانضباط كما لابد من وجود اليات
للمحاسبة والمساءلة في حال اختراق بنود النظام الداخلي كوجود الدستور في الانظمة
المتحضرة والمتطورة الذي يكون فيه القانون فوق الجميع ولا يخضع لامزجة الحكام مهما
كانوا . ان نشأة الاحزاب السياسية لم يكن لها تاريخ طويل كما هو الشأن بالنسبة
للبلدان الغربية ودول امريكا اللاتينية ، التي عرفت فيها تطور حركة المجتمع المدني
والسياسي نسقا تاريخيا متلائما مع تطور التكوينات الاجتماعية التي عرفتها المجتمعات
البشرية خلال المراحل التاريخية المتواترة وهكذا عرفت المجتمعات الاوربية منذ عصر
النهضة تطورا هائلا على جميع المستويات الفكرية ، والثقافية ، والعلمية ، والسياسية
وساهمت بشكل كبير في التحولات السياسية والاجتماعية بهذه البلدان.
|